ابن كثير
213
البداية والنهاية
بمشهد أبي حنيفة وناب عن قاضي القضاة ابن فضلان الشافعي ، ثم عن قاضي القضاة أبي صالح نصر بن عبد الرزاق الحنبلي ، ثم عن قاضي القضاة عبد الرحمن بن مقبل الواسطي ، ثم بعد وفاته في سنة ثلاث وثلاثين استقل القاضي عبد الرحمن اللمعاني بولاية الحكم ببغداد ، ولقب أقضى القضاة ، ولم يخاطب بقاضي القضاة ، ودرس للحنفية بالمستنصرية في سنة خمس وثلاثين ، وكان مشكور السيرة في أحكامه ونقضه وإبرامه . ولما توفي تولى بعده قضاء القضاة ببغداد شيخ النظامية سراج الدين النهرقلي رحمهما الله تعالى وتجاوز عنهما بمنه وكرمه آمين . ثم دخلت سنة خمسين وستمائة هجرية فيها وصلت التتار إلى الجزيرة وسروج ورأس العين وما والى هذه البلاد ، فقتلوا وسبوا ونهبوا وخربوا فإنا لله وإنا إليه راجعون . ووقعوا بسنجار يسيرون بين حران ورأس العين ، فأخذوا منهم ستمائة حمل سكر ومعمول من الديار المصرية ، وستمائة ألف دينار ، وكان عدة من قتلوا في هذه السنة من أهل الجزيرة نحوا من عشرة آلاف قتيل ، وأسروا من الولدان والنساء ما يقارب ذلك ، فإنا لله وإنا إليه راجعون . قال السبط : وفيها حج الناس من بغداد ، وكان لهم عشر سنين لم يحجوا من زمن المستنصر . وفيها وقع حريق بحلب احترق بسببه ستمائة دار ( 1 ) ، ويقال إن الفرنج لعنهم الله ألقوه فيه قصدا . وفيها أعاد قاضي القضاة عمر بن علي النهرقلي أمر المدرسة التاجية التي كان قد استحوذ عليها طائفة من العوام ، وجعلوها كالقيسارية يبتاعون فيها مدة طويلة ، وهي مدرسة جيدة حسنة قريبة الشبه من النظامية ، وقد كان بانيها يقال له تاج الملك ، وزير ملك شاه السلجوقي ، وأول من درس بها الشيخ أبو بكر الشاشي . وفيها كانت وفاة : جمال الدين بن مطروح ( 2 ) وقد كان فاضلا رئيسا كيسا شاعرا من كبار المتعممين ، ثم استنابه الملك الصالح أيوب في وقت على دمشق فلبس لبس الجند . قال السبط : وكان لا يليق في ذلك . ومن شعره في الناصر داود صاحب الكرك لما استعاد القدس من الفرنج حين سلمت إليهم في سنة ست وثلاثين في الدولة الكاملية فقال هذا الشاعر ، وهو ابن مطروح رحمه الله : المسجد الأقصى له عادة * سارت فصارت مثلا سائرا
--> ( 1 ) أرخه ابن إياس في بدائعه سنة 651 ه . ( 2 ) وهو أبو الحسن يحيى بن عيسى بن إبراهيم بن مطروح ، ولد سنة 592 توفي في عاشر شعبان ، قال أبو الفداء في تاريخه ، مات سنة 649 .